الجصاص

86

أحكام القرآن

وأما المسكين فقد اختلف فيه ، وسنذكره في موضعه من آية الصدقات . وفي اتفاق الجميع على أن ابن السبيل واليتيم إنما يستحقان حقهما من الخمس بالحاجة دون الاسم دلالة على أن المقصد بالخمس صرفه إلى المساكين . فإن قيل : إذا كان المعنى هو الفقر فلا فائدة في ذكر ذوي القربى . قيل له : فيه أعظم الفوائد ، وهو أن آل النبي صلى الله عليه وسلم لما حرمت عليهم الصدقة كان جائزا أن يظن ظان أن الخمس محرم عليهم كتحريمها إذ كان سبيله صرفه إلى الفقراء ، فأبان الله تعالى بتسميتهم في الآية عن جواز إعطائهم من الخمس بالفقر ، ويلزم هذا السائل أن يعطي اليتامى وابن السبيل بالاسم دون الحاجة عن قضيته بأن لو كان مستحقا بالفقر ما كان لتسميته ابن السبيل واليتيم معنى وهما إنما يستحقانه بالفقر . قوله تعالى : ( إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ) . قيل إن الفئة هي الجماعة المنقطعة عن غيرها ، وأصله من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته ، والمراد بالفئة ههنا جماعة من الكفار ، فأمرهم بالثبات لهم وقتالهم ، وهو في معنى قوله تعالى : ( إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ) الآية ، ومعناه مرتب على ما ذكر في هذه من جواز التحرف للقتال أو الانحياز إلى فئة من المسلمين ليقاتل معهم ، ومرتب أيضا على ما ذكر بعد هذا من قوله تعالى : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ) ، فإنما هم مأمورون بالثبات لهم إذا كان العدو مثليهم ، فإن كانوا ثلاثة أضعافهم فجائز لهم الانحياز إلى فئة من المسلمين يقاتلون معهم . وقوله تعالى : ( واذكروا الله كثيرا ) يحتمل وجهين ، أحدهما : ذكر الله تعالى باللسان ، والآخر : الذكر بالقلب ، وذلك على وجهين ، أحدهما : ذكر ثواب الصبر على الثبات لجهاد أعداء الله المشركين وذكر عقاب الفرار ، والثاني : ذكر دلائله ونعمه على عباده وما يستحقه عليهم من القيام بفرضه في جهاد أعدائه . وضروب هذه الأذكار كلها تعين على الصبر والثبات ويستدعى بها النصر من الله والجرأة على العدو والاستهانة بهم ، وجائز أن يكون المراد بالآية جميع الأذكار لشمول الاسم لجميعها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق معنى الآية ، ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا بشر بن موسى قال : حدثنا خلاد بن يحيى قال : حدثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن زيد عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله كثيرا وإن أجلبوا أو ضجوا فعليكم بالصمت " .